الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
121
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذه الإشارة قد علمها النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهي من الأسرار التي بينه وبين ربه حتى كان المستقبل تأويلها كما علم يعقوب سرّ رؤيا ابنه يوسف ، فقال له : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ [ يوسف : 5 ] . ولم يعلم يوسف تأويلها إلا يوم قال : يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [ يوسف : 100 ] يشير إلى سجود أبويه له . وأما ظاهر الآية الذي تلقاه الناس يوم نزولها فهو أن الجند هم كفار أهل مكة وأن التنوين فيه للنوعية ، أي ما هم إلا جند من الجنود الذين كذبوا فأهلكوا ، وأن الإشارة ب هُنالِكَ إلى مكان اعتباري وهو ما هم فيه من الرفعة الدنيوية العرفية وأن الانهزام مستعار لإضعاف شوكتهم ، وعلى التفسيرين الظاهر والمؤول لا تعدو الآية أن تكون تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلم وتثبيتا له وبشارة بأن دينه سيظهر عليهم . والجند : الجماعة الكثيرة قال تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [ البروج : 17 ، 18 ] . و ما حرف زائد يؤكد معنى ما قبله فهي توكيد لما دلّ عليه جُنْدٌ بمعناه ، وتنكيره للتعظيم ، أي جند عظيم ، لأن التنوين وإن دلّ على التعظيم فليس نصا فصار بالتوكيد نصا . وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها في سورة البقرة [ 26 ] ، فإن كانت الآية مشيرة إلى يوم بدر فتعظيم جُنْدٌ لأن رجاله عظماء قريش مثل أبي جهل وأمية بن خلف ، وإن كانت مشيرة إلى يوم الأحزاب فتعظيم جُنْدٌ لكثرة رجاله من قبائل العرب . ووصف جُنْدٌ ب مَهْزُومٌ على معنى الاستقبال ، أي سيهزم ، واسم المفعول كاسم الفاعل مجاز في الاستقبال ، والقرينة حاليّة وهو من باب استعمال ما هو للحال في معنى المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه فكأنه من القرب بحيث هو كالواقع في الحال . و الْأَحْزابِ : الذين على رأي واحد يتحزّب بعضهم لبعض ، وتقدم في سورة الأحزاب . و مِنَ للتبعيض . والمعنى : أن هؤلاء الجند من جملة الأمم وهو تعريض لهم بالوعيد بأن يحلّ بهم ما حلّ بالأمم ، قال تعالى : وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [ غافر : 30 ، 31 ] .